مطالبين بالحرية ووقف القمع.. سجناء إيفين يدعمون الاحتجاجات الشعبية

مطالبين بالحرية ووقف القمع.. سجناء إيفين يدعمون الاحتجاجات الشعبية
سجن إيفين في إيران

تتواصل موجة الاحتجاجات الواسعة في عدد كبير من المدن الإيرانية وشرق كردستان منذ أكثر من أسبوع، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة الرفض للسياسات القائمة، ومع مرور الأيام، تتزايد أعداد المشاركين في التظاهرات، وسط إصرار واضح على الاستمرار رغم القمع والاعتقالات، ما يشير إلى أزمة عميقة تتجاوز المطالب المعيشية لتلامس جوهر النظام السياسي الحاكم.

ووفق تقرير نشرته وكالة أنباء المرأة الاثنين تشهد الشوارع الإيرانية منذ انطلاق الاحتجاجات حالة من الغليان، حيث يخرج المواطنون بشكل يومي في تجمعات سلمية يطالبون فيها بالحرية والعدالة وتحسين الأوضاع الاقتصادية، في وقت ترد فيه السلطات بإجراءات أمنية مشددة شملت استخدام القوة واعتقال مئات المتظاهرين.

مواقف من خلف القضبان

في خضم هذه التطورات، أصدر عدد من السجناء السياسيين في سجن إيفين بياناً أعلنوا فيه دعمهم الصريح للاحتجاجات الشعبية. البيان الذي جرى تداوله على نطاق واسع استعرض مسيرة طويلة من نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية والعدالة، مشيراً إلى أن هذا النضال يمتد لأكثر من 120 عاماً، دفع خلالها الإيرانيون أثماناً باهظة في محطات تاريخية مفصلية.

وبحسب ما ورد في البيان، فإن كل محاولة اقترب فيها الشعب من تحقيق تطلعاته، كانت تواجه بقوى الاستبداد والاستعمار، سواء في عهد الشاه أو خلال الحقبة الحالية، ما حال دون تحقيق انتصار حقيقي أو الإفراج عن السجناء السياسيين، واعتبر السجناء أن أحداثاً مثل الانقلاب الذي وقع عام 1992 والثورة التي وصفوها بالمسروقة عام 1998 تمثل نماذج صارخة لمسار الإحباط المتكرر.

47 عاماً من الأزمات المتراكمة

وسلط البيان الضوء على ما وصفه بسياسات الفاشية الدينية التي حكمت إيران طول 47 عاماً، معتبراً أنها أوصلت المجتمع إلى أوضاع معيشية قاسية حُرم فيها المواطنون من أبسط حقوقهم، وأشار السجناء إلى أن الفقر والفساد وارتفاع الأسعار والتضخم الحاد وأزمات المياه والكهرباء والبطالة أصبحت سمات يومية لحياة الإيرانيين.

وأوضح البيان أن هذه الأزمات لم تكن نتيجة عوامل طارئة، بل نتاج سياسات ممنهجة قامت على نهب ثروات البلاد وتوجيهها نحو تصدير الحروب بالوكالة والمشاريع النووية والصاروخية، على حساب احتياجات المواطنين الأساسية وحقهم في حياة كريمة.

القمع الداخلي وتصدير الأزمات

وأكد السجناء السياسيون أن طبيعة النظام الإيراني تقوم على ركيزتين أساسيتين، هما القمع الداخلي وتصدير الحرب والإرهاب، ولفتوا إلى أن السلطة، منذ نشأتها، لم تستجب لمطالب الشعب، بل ركزت على ضمان بقائها، رغم إدراكها المتزايد بأن سقوطها بات مسألة وقت في ظل اتساع رقعة الغضب الشعبي.

كما حذر البيان من محاولات بعض التيارات السياسية، ومنها جماعات إصلاحية وملكية، استغلال الاحتجاجات أو حرف مسارها، مؤكدين أن الشارع الإيراني بات أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين المطالب الحقيقية والمناورات السياسية.

دعم كردي واسع واعتقالات متزايدة

بالتوازي مع ذلك، أصدر 120 ناشطاً سياسياً ومدنياً وحقوقياً من كردستان إيران بياناً أعلنوا فيه دعمهم الكامل للاحتجاجات السلمية، مطالبين السلطات بالاعتراف بحق المواطنين في التظاهر، والإفراج الفوري عن المعتقلين، والاستجابة لمطالب الشارع.

البيان الذي نُشر يوم الأحد 4 يناير أشار إلى أن الاحتجاجات الأخيرة ترافقت مع موجة اعتقالات واسعة في كردستان ومناطق أخرى من البلاد، في وقت تتحدث فيه الحكومة رسمياً عن الاعتراف بحق الاحتجاج، واعتبر النشطاء أن هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الأمنية يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لاحترام الحقوق المدنية.

وأكد الموقعون أن التعامل الأمني العنيف مع التجمعات السلمية يتعارض بشكل صارخ مع المبادئ الأساسية للحقوق المدنية والسياسية، ومع الالتزامات الدولية التي وقعت عليها إيران، داعين إلى الاستماع لصوت الشعب وإنهاء سياسة القمع.

ضحايا واعتقالات بالأرقام

ومنذ انطلاق الاحتجاجات في 28 ديسمبر وحتى صباح 4 يناير، رصدت قناة "إيران إنترناشيونال" بشكل مستقل مقتل ما لا يقل عن 16 متظاهراً في مدن مختلفة من البلاد، كما أفاد موقع هرانا الحقوقي بأن ما لا يقل عن 174 نقطة في إيران شهدت خلال 7 أيام احتجاجات أو تجمعات في الشوارع أو إضرابات مهنية.

ووفق التقرير نفسه، فقد تم اعتقال ما لا يقل عن 582 مواطناً، مع تأكيد أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى، في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة بسبب القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت.

ضغوط حقوقية دولية

على الصعيد الدولي، تصاعدت ردود الفعل المنددة بقمع الاحتجاجات في إيران، فقد طالبت شبكة منظمة العفو الدولية في أستراليا، في بيان رسمي، بوقف العنف ضد المتظاهرين والإفراج عن جميع السجناء السياسيين، ودعت المنظمة القوات الأمنية والعسكرية وشبه العسكرية إلى التوقف الفوري عن استخدام الأسلحة الفتاكة والمقذوفات الصدمية، ومنها الرصاص المطاطي والخرطوش.

كما طالبت المنظمة بوقف فوري لعمليات الإعدام، معتبرة أن السلطات تستخدم هذه العقوبة وسيلة لترهيب المعارضين والسيطرة على المجتمع، ودعت حكومات العالم إلى دعم حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره، والعمل على إنشاء هيئة انتقالية مؤقتة ومحايدة بإشراف دولي، تمهيداً لإجراء استفتاء وطني حر وعادل.

شهادات من داخل السجون

وفي شهادة لافتة، نشر السجين السياسي أحمد رضا حائري من سجن قزل حصار في كرج رسالة تحدث فيها عن الأحداث الدامية التي شهدتها مدينتا إيلام وملکشاهي، وأكد في رسالته أن قائد الحرس الثوري في ملكشاهي بادر شخصياً إلى إطلاق النار من رشاش ثقيل على المتظاهرين.

وأضاف حائري أن حجم المجزرة أكبر بكثير مما تم الإعلان عنه، معلناً عزمه رفع دعاوى قضائية أمام المحافل الدولية ضد الآمرين والمنفذين لقتل المتظاهرين فيما وصفه بسبت الدم في ملكشاهي وإيلام.

مواقف قانونية

وكانت مجموعة من المحامين الإيرانيين قد أصدرت في وقت سابق بياناً أدانت فيه إطلاق النار على متظاهرين غير مسلحين، ووصفت ما جرى بأنه انتهاك صارخ للحق في الحياة والحق في التجمع السلمي، معتبرة أن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم خطرة لا يمكن التغاضي عنها أو تبريرها تحت أي ذريعة أمنية.

تأتي الاحتجاجات الحالية في سياق تراكم أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تعاني منها إيران منذ سنوات، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية وسوء الإدارة وارتفاع معدلات الفقر والتضخم، وخلال العقود الماضية، واجهت السلطات الإيرانية موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، غالباً ما جرى قمعها باستخدام القوة والاعتقالات الواسعة، وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن التعامل الأمني مع الاحتجاجات، إلى جانب القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت، أسهم في تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة، ما يجعل الاحتجاجات الحالية واحدة من أكثر الموجات تعقيداً وتأثيراً في المشهد الإيراني الحديث.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية